كثيرة هي الظواهر التي نصادفها في حياتنا اليومية من دون أن نكترث لها أو نوليها بالاً، والحال أنها ظواهر حبلى بالأبعاد العميقة والدلالات، منها تلك الكتابات والرسومات على جدران مدننا أو جذوع أشجارنا أو تلك التي تؤنس وحشة أسوارنا المهجورة. إنها أشكال تعبيرية بليغة، تنطق بما خفي من شعور وما كمن من احتجاج وما تكتم من حقد وغل في صدور مجهولين مروا، لحظة، من أمام تلك الأماكن أو مكثوا فيها من الوقت ما يكفي، حتى دونوا عليها ما دونوا.
إذا كانت الكتابات والرسومات المرتجلة على جدران المدن تبدو، في ظاهرها، بسيطة، فباطنها غني بالدلالات والإيحاءات التي تمتد جذورها لتضرب في عمق المجتمع، ومن ثم تستحق هذه الرسومات، بغض النظر عن جانبها المسيء لجمالية الجدران، وقفة تأمل تحليلية لكشف المتواري خلف الظاهر البسيط. ولما كانت هذه “الخربشات” قناة تواصلية للذين لا يجرؤون على التواصل من خلال القنوات التقليدية المباحة، فقد باتت شكلاً تعبيرياً عن ثقافة مكبوتة، مقموعة، أو محظورة، بل ما فتئ الإقبال عليها يزداد شيئاً فشيئاً بين مراهقي وشبان العالم، خصوصاً في المدن الكبرى، لكن ذلك لا يعني أن اللجوء إلى الكتابة أو الرسم على جدران الأمكنة العمومية وليد اليوم، بل وجد عند الإنسان القديم وإنسان المغارات قبل أن تتطور غاياتها عبر الأزمان وتصبح شكلاً تعبيرياً في عالم اليوم.
تتعدد إذن أماكن الكتابة والتخطيط على الجدران، وتتعدد الإيحاءات التعبيرية بين رفض وسباب وتعبير عاطفي أو احتجاجي، فهي تفريغ لشحنة عاطفية أو اجتماعية أو سياسية عبر وسيلة غير خاضعة للمراقبة.
الأساسي في الأمر أن جميع العناصر الموجودة حول وداخل الرسم أو العبارة المكتوبة تحمل معاني للشخص الذي وضعها والمتلقي الذي يقرأها مصادفة. لكن ثمة عناصر أخرى، بعيدة عن النص المكتوب، تتدخل في عملية التلقي والفهم لتنتج صورة شمولية للمعنى النهائي. ونعني بذلك طبيعة المكان الذي توجد فيه والوسيلة التي استعملت لتبليغ هذا المعنى والتي تختلف بين جدران بيت عادي أو بنك أو مقبرة أو غرفة حمام عمومي، والشكل الذي كتبت به. فالمعنى الذي يرتسم، مثلاً، في ذهنية المتلقي وهو يقرأ عبارة “النجاح يا رب!” على جدار مؤسسة تعليمية يختلف عن معنى العبارة نفسها لو قرأت في مكان آخر غير جدار المؤسسة التعليمية، كما يزداد المعنى وضوحاً لو كتبت العبارة في فترة الامتحانات.
ولما كانت طبيعة المجتمع المغربي لم تفرز، بعد، أساليب احتجاجية تطال المجالات البعيدة عن الهم اليومي للفرد، والتي تتكفل بالاحتجاج ضدها قنوات أخرى كالإعلام والمجتمع المدني، فإن الغالب على الكتابات الاحتجاجية على الجدران يكاد يقتصر على العواطف. هكذا تتراءى للمار هنا وهناك، من الأزقة الضيقة رسومات لقلب خرمه سهم الحب، حتى نزفت منه دماؤه وكتبت أسماء العاشقين الولهانين.
وبما أن المجتمع حابل بالمتناقضات والقيود والممنوعات والظواهر الاجتماعية التي تحبط طموحات شبابه، كالبطالة والرشوة والتردي الإداري، في غياب بدائل حقيقية، ذات مصداقية، فمن البديهي أن تنفجر الاحتجاجات عبر أشكال تستمد مشروعيتها من السرية والتخفي، لكون المجتمع يقمع أشكال الاحتجاج الطبيعية.
والطريف في الظاهرة أنها تفسح المجال لحوار متعدد الأطراف، يعكس آراء المتدخلين فيه دون أن تلتقي فيه هذه الأطراف على مائدة نقاش حقيقية. لتظل لائحة التدخلات مفتوحة لكل من أفراد التدخل، بعد أن يكون الحوار ابتدأ بمتدخل أول خط على الحائط جملة تفجرت من دواخله، فجاء الثاني يعلق عليها، ثم الثالث يعلق على المتدخلين الاثنين ورابع وخامس، علماً بأن هذا الحوار يدخل في سياق مسلسل جدلي، هو انعكاس لنقاش اجتماعي مختصر، يستعير أصحابه قنوات البوح غير الرسمية عسى أن تخفف عنهم شيئاً مما احتقن في نفوسهم.
ومع تعدد الرسائل والخطابات تتعدد ردود الفعل بين هذا المتلقي وذاك باختلاف القناعات والمبادئ. فقد يرى الفنان في ذلك لوحة جميلة تستحق التمعن والتملي بجمال ألوانها وقيمتها الفنية. وقد يرى المثقف فيه تعبيراً عن رفض أو فضح لخلل اجتماعي. فتتحول العبارة أو الرسم البسيط، إذن، إلى عمل يتموقع في حدود المتخيل والإبداع. فيدخل دائرة التقييم النقدي الذي يقيس مدى فنيته وقيمته الإبداعية. إلا أنه قد يصبح في نظر رجل السلطة مجرد تعبير تافه أو إساءة للمنظر العام للمدينة أو الحي، لأن نظرته إلى هذه العبارات والرسوم تنحرف، من حيث لا يدري، بما يمليه عليه مفهوم واجبه الأمني، ذلك المفهوم الذي لا يستقيم إلا في دائرة المراقبة والحجر على أي عمل لا يستجيب لمقاييس الأمن.
إلا أن الارتجالات المكتوبة والمخطوطة على جدران الأماكن العمومية لا تنتشر بشكل واسع كما هو الشأن في كبريات المدن الغربية في أوروبا وأمريكا، نظراً لاختلاف طبيعتها الاجتماعية والثقافية والسياسية عن طبيعة المجتمعات العربية. وفي ذلك مفارقة تتجلى في كون طبيعة مجتمعنا المركبة هي الأولى بأن تفرز هذه الظاهرة على نطاق واسع. لكن الواقع غير ذلك.
وللدلالة على الحجم الذي تتواجد عليه الظاهرة في البلاد الغربية يكفي الإشارة إلى دراسة أنجزتها شركة النقل في مونتريال الكندية، عام ،1999 في محطات القطار، حيث وجدت أن مجموعة المساحة التي تغطيها الرسومات والكتابات في محطات المدينة تصل إلى 8827 متراً مربعاً أي ما يعادل مساحة ملعبين لكرة القدم! فضلاً عن أن تنظيف هذه الأماكن يكلف الشركة 540 دولاراً كندياً للمتر المربع الواحد، وقد يرتفع هذا الرقم لو تعلق الأمر بإزالة البقع المستعصية!! الشيء الذي دفع السلطات إلى تجريم فعل الرسم والتخطيط على جدران الأماكن العمومية. بل هناك من اشتهروا في هذا المجال وأصبحوا أسياداً لا ينازعهم على عرشهم أحد، مثل خطاط أو رسام زوريخ (سويسرا) المشهور الذي طاردته الشرطة في بلاده بسبب ذلك، واضطر إلى السفر خارج سويسرا قبل أن يلقى عليه القبض بمساعدة الانتربول ويعاد للمحاكمة في بلاده!